当前位置: 主页 > 主麻演讲 > 禁寺阿语 >

坚守正道的媒介

时间:2018-01-12 13:51来源:穆斯林华豪网站 作者:谢赫刷利哈•侯 点击:
在纷争和灾难时期坚守正道的媒介和方式。

  

 

الخطبة الأولى

الحمدُ لله، الحمدُ لله خلقَ الخلائِق وقدَّر لها أقواتَها وكفاها، سُبحانه وبحمده أجزلَ عطاياه لعبادِه فنِعمُه لا تتناهَى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له شهادةَ مَن عرفَ معناها، وعمِلَ بمُقتضاها، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه أقامَ أركانَ المِلَّة وأعلَى ذُراها، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابِه أزكَة الأمة وأبرِّها وأتقاها، والتابِعين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ:

فأُوصِيكم - أيها الناس - ونفسِي بتقوَى الله وحُسن الخُلُق، فاتَّقُوا الله - رحمكم الله -؛ فكلُّ ابن آدم خطَّاء، فاستَتِرُوا ولا تُجاهِرُوا، واستغفِرُوا ولا تُصِرُّوا، وإذا أسأتُم فأحسِنُوا.

السعيدُ مَن اعتبَرَ بأمسَه، ونظرَ لنفسِه. والمحرومُ مَن جمعَ لغيره، وبخِلَ على نفسِه. والحازِمُ مَن لم يُؤجِّل عملَ يومِه لغدِه.

واعلَم - يا عبد الله - أن غِنَى غيرِك لا ينقُص مِن رزقِك، وسعادتَه لا تُؤخَذ مِن سعادتِك. فكُن حسنَ الخُلُق، طيِّبَ القلبِ، تُحبَّك القلوب، والزَم الشكرَ والصبرَ والاستِغفارَ، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].

أيها المُسلمون:

ما سُمِّي القلبُ إلا لتقلُّبِه وتردُّده، تُقلِّبُه الظروفُ والمُؤثِّرات، وتتجاذَبُه عوامِلُ الخير وعوامِلُ الشرِّ بين لمَّة الملَك ولمَّة الشيطان، بين تثبيتِ الملائِكة واجتِيال الشياطين، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: 110].

وقد بيَّن لنا نبيُّنا مُحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - عجِيبَ صُنع الله في أحوالِ هذا القلبِ، حينما أتَى - عليه الصلاة والسلام - بهذه الصِّيغة وهو يُقسِم: «لا ومُقلِّبِ القُلوبِ»؛ رواه البخاري.

وفي قوله - عليه الصلاة والسلام - كثيرًا: «يا مُقلِّبَ القُلوبِ! ثبِّت قلبِي على دينِك». قالُوا: أوَتخافُ يا رسولَ الله؟ قال: «وما يُؤمِّنُني والقلبُ بين أصبُعَين مِن أصابِعِ الرحمن، يُقلِّبُه كيف يشاء؟!».

وفي لفظٍ آخر: «إن شاء الله أن يُقيمَه أقامَه، وأن شاء أن يُزيغَه أزاغَه»؛ رواه أحمد والترمذي، وإسنادُه صحيح.

عباد الله:

ولئِن كان القلبُ محلَّ التقلُّب فهو محلُّ الثباتِ، ولهذا كان نبيُّنا مُحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يقولُ: «يا مُقلِّبَ القُلوبِ! ثبِّت قلبِي على دينِك»؛ أخرجه ابنُ ماجه والترمذي، وحسَّنه مِن حديث أنسٍ - رضي الله عنه -.

وما مُنِح العبدُ مِنحةً أفضل مِن مِنحةِ الثباتِ في القول والعمل، يجِدُ ثمرةَ ذلك في حياتِه كلِّها، وأعظمُ ما يجِدُه حينما يكونُ في قبره، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].

والثباتُ - حفِظَكم الله - هو: دوامُ استِقامة المُسلم على الحقِّ والهُدى أمام مُثِيرات الفتن، ودواعِي الهوَى، وبواعِثِ الشَّهوات.

وقد قال أهلُ العلم: "إن مِن علامات توفيقِ العبدِ وثباتِه أنه كلما زادَ علمُه زادَ تواضعُه، وازدادَت رحمتُه بالناسِ، وكلما زادَ عملُه زادَ خوفُه وحذَرُه، وكلما زادَ مالُه زادَ سخاؤُه وكرمُه وإنفاقُه".

وإذا امتدَّ به العُمرُ قلَّ عنده الحِرص، وضعُفَ تعلُّقُه بأهل الدنيا وتتبُّع أخبارِهم.

عباد الله:

ولا يظهرُ الثباتُ على وجهِه إلا حينما يرى العبدُ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتَّبَعًا، وإعجابَ كل ذي رأيٍ برأيِه.

وقد قال بعضُ السلَف: "مِن علامات الثبات: الإنابةُ إلى دارِ الخُلُود، والتجافِي عن دارِ الغُرور، والتأهُّب للموتِ قبل الوُرودِ".

معاشِرَ المُسلمين:

وإذا كان ذلك كذلك، فقد ذكرَ أهلُ العلم جُملةً مِن الوسائل والأسبابِ التي تُعينُ على الثباتِ في مواقفِ الفتنِ والمُتغيِّرات:

وأولُ الأسبابِ وأهمُّها: تحقيقُ التوحيد قولًا وعملًا واعتِقادًا، وتحقيقُ العبوديَّة التامَّة لله وحدَه، ومعرفةُ الله حقَّ المعرِفة. فمَن كان بالله أعرَف كان مِنه أخوَف، قال - عزَّ شأنُه -: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

ويتجلَّى ذلك بالإيمانِ بأقدارِ الله، وتفويضِ الأمورِ إليه، وحُسن التوكُّلِ عليه. «عجَبًا لأمرِ المُؤمن، وإنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ؛ إن أصابَتْه سرَّاءُ شكرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاءُ صبَرَ، فكان خيرًا له، ولا يكونُ ذلك إلا للمُؤمن».

فيكونُ العبدُ مُلازِمًا لمقامِ الخوفِ، مُشفِقًا مِن سلبِ التوفيقِ، وقد أُمِرَ المُؤمنُ بالإيمان؛ وما ذلك إلا للثباتِ والاستِمرار، فقال - عزَّ شأنُه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: 136]، وقال - عزَّ شأنُه -: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: 31].

ويقولُ طَلْقُ بن حبيبٍ: "اتَّقُوا الفتنَ بالتقوَى".

ومِن أسبابِ الثباتِ - عباد الله -: لُزومُ الطاعات والعمل الصالِح، والاستِقامة على الخير حسب الطاقة والاستِطاعة، ولُزومُ الجادَّة، وحبُّ الخير وبذلُه للناس، واحتِسابُ الخير والأجرِ عند الله.

وصاحِبُ الطاعات والأعمال الصالِحة لا يُخزِيه الله أبدًا.

ومِن أسبابِ الثبات: مُلازمةُ العُلماء والرُّجوعُ إليهم، يقولُ - عزَّ شأنُه -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وقال - جلَّ وعلا -: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فمُلازمةُ العُلماء عِصمةٌ مِن الضلالِ والانحِراف.

يقولُ الحسنُ البصريُّ - رحمه الله -: "الدنيا كلُّها ظُلمَة إلا مجالِس العُلماء".

والصُّدورُ عن توجيهاتِ أهل العلم مِن أعظم سُبُل الوِقايَةِ مِن الفتَن، والعِصمةِ مِن الانحِراف، والاستِقامة على الثبات.

ومِن الأسبابِ: مُصاحبةُ الصالِحين والأخيار؛ فالمُؤمنُ مِرآةُ أخِيه، والمُؤمنُ أخو المُؤمن يكُفُّ عليه ضيعَتَه؛ أي: يمنَعُ خسارتَه، ويحُوطُه مِن ورائِه؛ أي: يحفَظُه، ويصُونُه، ويُدافِعُ عنه، ويُثبِّتُه.

يقولُ - عزَّ شأنُه -: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28].

ومِن أعظم الأسباب: الدُّعاءُ، والتضرُّع، والانطِراحُ بين يدَي الله الربِّ الرحيم، مُقلِّب القلوبِ، والاشتِغالُ بذِكرِ الله ومُناجاتِه، وحُسن التعلُّق به.

وقد افترضَ الله على عبادِه أن يسألُوه الهِدايةَ في كل ركعةٍ مِن صلاتِهم في قوله - عزَّ شأنُه -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].

قال الحافظُ ابن كثيرٍ - رحمه الله -: "ولولا احتِياجُ العبدِ ليلًا ونهارًا إلى سُؤال الهِداية لما أرشَدَه الله إلى ذلك؛ فإن العبدَ مُفتقِرٌ كلَّ ساعةٍ وحالٍ إلى الله تعالى في تثبيتِه على الهِداية، ورسُوخِه عليها، وتبصُّرِه بها، وازدِيادِه مِنها، واستِمرارِه عليها؛ فإن العبدَ لا يملِكُ لنفسِه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاءَ الله".

ومِن الأسباب: مُلازمةُ كِتابِ الله - عزَّ وجل -، قال - عزَّ شأنُه -: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: 32]، وقال - عزَّ شأنُه -: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 104].

فتأمَّل - حفِظَك الله - العلاقةَ بين كِتابِ الله والبصيرةِ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وإذا رُزِقَ العبدُ البصيرة فرَّقَ بين الحقِّ والباطِل، والمصلَحة والمفسَدة، والسنَّة والبِدعة. والمُؤمنُ في زمن المُتغيِّرات والفتَن أحوَجُ ما يكونُ إلى بصيرة؛ فنُورُها يُبدِّدُ ظُلُمات الفتن.

يقولُ حُذيفةُ - رضي الله عنه -: "لا تضُرُّك الفتنةُ ما عرَفتَ دينَك، وإنما الفتنُ إذا اشتبَهَ عليك الحقُّ بالباطِلِ".

ومِن أسبابِ الثبات: العملُ بالعلم، وبما تعرِفُه مِن الأحكام والسنن والآداب، يقولُ - عزَّ شأنُه -: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66- 68].

ومَن عمِلَ بما علِم رزقَه الله علمَ ما يعلَم، ومِن ثمرةِ ذلك كلِّه التقوَى، قال - عزَّ شأنُه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29].

ومِن أعظم الأسبابِ: حبسُ اللسان عن التشكِي، والصبرُ، وضبطُ النفسِ، والتحكُّمُ في نزَغَاتِها مِن العجَلَة، والطَّيش، والغضب، والطمَع، وضبطُ الملَل والسآمة، وبخاصَّةٍ إذا برزَت مُثِيرات الفتَن، وهذا كلُّه يُورِثُ هدايةَ القلب، ومحبَّةَ الله، ومحبَّةَ الناس.

ومما يجمَعُ ذلك كلَّه: حُسنُ ظنِّ العبدِ بربِّه، وتمامُ التعلُّق به؛ فليس مِن شأنِ المُؤمن اليأسُ والقُنُوط، بل تراه دائمًا خائفًا راجِيًا، ولا يكونُ حُسنُ الظنِّ على وجهِه إلا مع إحسانِ العمل، والإقبالِ على الله، ودوامِ الطاعة والعملِ الصالِح.

يقولُ ابنُ مسعُودٍ - رضي الله عنه -: "والذِي لا إلا غيرُه؛ ما أُعطِيَ عبدٌ مُؤمنٌ شيئًا خيرًا مِن حُسن الظنِّ بالله - عزَّ وجل -، والذي لا إلا غيرُه؛ لا يُحسِنُ عبدٌ بالله - عزَّ وجل - الظنَّ إلا أعطاه الله ظنَّه، ذلك بأن الخيرَ بيدِه".

والمُؤمنُ حين يُحسِنُ الظنَّ بربِّه لا يزالُ قلبُه مُطمئنًّا، ونفسُه آمِنة، تغمُرُه السعادةُ والرِّضا بقضاءِ الله وقدَرِه، وخضوعه لربِّه.

والمُسلمُ حينما يُحسِنُ الظنَّ بالله تراه كلما رأى المُتغيِّرات ازدادَ نشاطًا في بيانِ الحقِّ، والدعوةِ إليه، ونشر الفضائِل، ومُحارَبة الرَّذائِل. فيكونُ مِن الصالِحين عند فسادِ الناس، والمُصلِحين لما أفسَدَ الناس.

معاشِر الأحِبَّة:

ومِن أعظم وسائل الثبات: اليقينُ بأن العاقِبةَ للتقوَى، وأن وعدَ الله حقٌّ، فيصبِرُ المُؤمنُ على ما يقُلوُون، ويصبِرُ لحُكم ربِّه، ويعلَمُ أن دينَ الله محفُوظ، وجُندَ الله منصُورُون، قال - عزَّ شأنُه -: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 8، 9].

يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "كما أن الله نهَى نبيَّه أن يُصِيبَه حَزَنٌ أو ضِيقٌ ممن لم يدخُل في الإسلام في أولِ الأمر، فكذلك المُؤمنُ منهيٌّ أن يحزَنَ عليهم، أو يكون في ضَيقٍ مِن مكرِهم".

وكثيرٌ مِن الناس إذا رأَى التغيُّرَ في بعضِ أحوالِ أهل الإسلام جزِعَ، وكلَّ، وناحَ كما ينُوحُ أهل المصائِب، وهو منهيٌّ عن هذا، بل هو مأمُورٌ بالصبرِ، والتوكُّل، والثباتِ على دينِ الإسلام، وأن يُؤمِن بأن الله مع الذين اتَّقَوا والذين هم مُحسِنُون، وأن ما يُصيبُه فهو بذنوبِه أو بتقصيرٍ مِنه، وأن وعدَ الله حقٌّ، وليستغفِر لذنبِه، وليُسبِّح بحمدِ ربِّه بالعشيِّ والإبكار.

وقد قال بعضُ الصالِحين: "لا تُخوِّفُوا الناسَ مِن الفقر، فهذا عملُ الشيطان، فلا تكونوا مِن جُنودِه وأنتُم لا تشعُرون". قال - عزَّ شأنُه -: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: 268].

واعلَم بأن الذي فتَحَ فاكَ لن ينساك، وما أغلقَ الله على عبدٍ بابًا بحِكمتِه، إلا فتَحَ له بابًا برحمتِه.

وبعدُ .. عباد الله:

فمِن توفيقِ البارِي - سبحانه وتعالى - لعبدِه أن يُيسِّر له الأخذَ بالأسبابِ التي بعونِه - سبحانه - تُعينُه على الثبات عند حلُول الفتن، وكثرةِ البلايا. فما كُتِبَ للعبدِ سيكون، ولو لم يُرِده، وما ليس له فلن يصِلَ إليه، مهما بذلَ واجتهَد.

ومَن أصبحَ وأمسَى ليس له همٌّ إلا ربَّه ومولاه تحمَّلض الله عنه حوائِجَه كلَّها، وحملَ عنه ما أهمَّه، وفرَّغ قلبَه لمحبَّته، والحيُّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، والله يحُولُ بين المرءِ وقلبِه، وأهلُ الثبات هم أهلُ الرحمةِ في قولِه - عزَّ شأنُه -: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118، 119].

أعوذُ بالله مِن الشيطان الرجيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].

نفَعَني اللهُ وإياكم بالقرآن العظيم، وبِهَديِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقولُ قولِي هذا، وأستغفِرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ وخَطيئةٍ، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفورُ الرحيم.

 


الخطبة الثانية

الحمدُ لله، الحمدُ لله العليِّ الكبير، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُهُ أعطى الكثير، ورضِيَ مِن عبادِه باليسير، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له شهادةً تُنجِي مِن عذابِ السَّعير، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه ربُّه مولاه وجبريلُ وصالِحُ المُؤمنين، والملائكةُ بعد ذلك ظهير، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ الطيبين الأطهار، وأصحابِه البرَرَة الأخيار، والتابِعين ومَن تبِعَهم بإحسانٍ وعلى طريقِ الحقِّ يسير، وسلَّم التسليمَ الكثير.

أما بعد .. معاشِر المُسلمين:

ومِن أعزم أسبابِ الثبات: الرِّضا عن الله، وهو قرينُ حُسن الظنِّ بالله، وقد وصفَ الله به عبادَه الصالِحين في أربعة مواضِع مِن كتابِه، كلُّها يقولُ - سبحانه -: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]، و[التوبة: 100]، و[المجادلة: 22]، و[البينة: 8].

وانظُر - يا عباد الله - هل أنتَ راضٍ عن ربِّك؟

الرِّضا عن الله - حفِظَك الله - هو التسليمُ بكل ما كتبَ الله لك، فتُؤمِن يقينًا أن ربَّك ما أرادَ بك في جميع أحوالِك وابتِلائِك إلا خيرًا، وإذا رضِيتَ عن ربِّك قلَّت مِنك الشَّكوَى للمخلُوقين، والتسخُّطُ على الأوضاعِ.

ترضَى عن ربِّك إذا أعطاك، وإذا منَعَك، وترضَى في حالِ الصحةِ، كما ترضَى في حالِ المرض.

والرِّضا - رعاكم الله - لا يتعارَضُ مع فعلِ الأسبابِ لحلِّ المُشكِلات، وعلاجِ الأوضاع، كما لا يتعارَضُ مع الألَم الذي تشعُرُ به، والحزنُ الفطريُّ، ومِن ثَمَّ تسعَى في علاجِه وتخفيفِه.

وانظُر إلى حالِ عبدٍ لم يَرضَ، فهو لو ملَكَ الدنيا كلَّها فلن يرضَى، وفي الحديث: «مَن رضِيَ فله الرِّضا، ومَن سخِطَ فعليه السَّخَط».

واعلَم أن الرِّضا عن الله مِن أعظم السُّبُل لرضا الله عنك. رضِينَا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمُحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - نبيًّا ورسُولًا.

اللهم ارزُقنا حُسنَ الظنِّ بك، وصِدقَ التوكُّل عليك، وجَميلَ الإنابةِ إليك، حتى نكونَ بما عِندك أوثقَ مما في أيدِينا.

ألا فاتَّقُوا اللهَ - رحِمَكم الله -، واعلَمُوا أنه مع كل هذا وذاك فكم لربِّنا المُحسِن الكريم الوهَّاب المُنعِم مِن أفضالٍ خفِيَّة، وحِكَمٍ غير مرئيَّة، فهو الذي يقلِبُ الكدَرَ صفوًا، ويُحوِّلُ الكُرُبات مَكرُماتٍ وكراماتٍ.

والعملُ مع الأمل يقتَضِي السعيَ بهِمَّةٍ في يقينٍ وثباتٍ، والفرَجُ قريب، والعِوَضُ كثير، ولله الأمرُ مِن قبلُ ومِن بعدُ، وهو غالِبٌ على أمرِه، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلَمُون.

هذا وصلُّوا وسلِّمُوا على الرحمةِ المُهداة، والنِّعمةِ المُسداة: نبيِّكُم محمدٍ رسولِ الله؛ فقد أمرَكم بذلك ربُّكم، في مُحكَم تنزيلِه، فقالَ - وهو الصادِقُ في قِيلِه - قولًا كريمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك: نبيِّنا محمدٍ الحَبيبِ المُصطَفى، والنبيِّ المُجتَبَى، وعلى آله الطيبين الطاهِرِين، وعلى أزواجِه أمهاتِ المؤمنين.

وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الأربعةِ الراشدين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وجُودِك وإحسانِك وكرَمِك يا أكرَمَ الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمُشركين، واخذُل الطُّغاةَ، والملاحِدَة، وسائرَ أعداءِ المِلَّة والدين.

اللهم آمِنَّا في أوطانِنا، اللهم آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أئمَّتَنا وولاةَ أمُورِنا، واجعَل اللهم ولايتَنَا فيمن خافَك واتَّقاك واتَّبَع رِضاكَ يا رب العالمين.

اللهم وفِّق إمامَنا وولِيَّ أمرِنا بتوفيقِك، وأعِزَّه بطاعتِك، وأَعلِ به كلمَتَك، واجعَله نُصرةً للإسلامِ والمسلمين، ووفِّقه ووليَّ عهدِه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وتَرضَى، وخُذ بنواصِيهم للبِرِّ والتقوَى.

اللهم وفِّق ولاةَ أمورِ المسلمين للعملِ بكتابِك، وبسنَّةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعَلهم رحمةً لعبادِك المؤمنين، واجمَع كلمتَهم على الحقِّ والهُدَى يا ربَّ العالمين.

اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكانٍ، اللهم احقِن دماءَهم، واجمَع على الحقِّ والهُدى والسنَّةِ كلمتَهم، وولِّ عليهم خيارَهم، واكفِهم أشرارَهم، وابسُط الأمنَ والعدلَ والرَّخاءَ في ديارِهم، وأعِذهم من الشُّرور والفتَن ما ظهَرَ منها وما بَطَن.

اللهم انصُر جنودَنا، اللهم انصُر جنودَنا المُرابِطِين على حُدودِنا، اللهم سدِّد رأيَهم، وصوِّب رميَهم، واشِدُد أزرَهم، وقوِّ عزائِمَهم، وثبِّت أقدامَهم، واربِط على قلوبِهم، وانصُرهم على مَن بغَى عليهم، اللهم أيِّدهم بتأيِيدك، وانصُرهم بنصرِك، اللهم وارحَم شُهداءَهم، واشفِ جرحَاهم، واحفَظهم في أهلِهم وذريَّاتهم إنك سميعُ الدعاء.

اللهم انصُر إخوانَنا المُستضعَفين المظلُومين في فلسطين، وفي بُورما، وفي أفريقيا الوُسطى، وفي ليبيا، وفي العِراق، وفي اليمَن، وفي سُوريا، اللهم قد مسَّهم الضُّرُّ، وحلَّ بهم الكَربُ، واشتَدَّ عليهم الأمرُ، تعرَّضُوا للظلم والطُّغيان، والتشريدِ والحِصار، اللهم انتصِر لهم، اللهم انتصِر لهم، وتَوَلَّ أمرَهم، واكشِف كَربَهم، وارفَع ضُرَّهم، وعجِّل فرَجَهم، وألِّف بين قُلوبِهم، واجمَع كلمَتَهم، اللهم مُدَّهم بمَدَدك، وأيِّدهم بجُندِك، وانصُرهم بنصرِك.

اللهم عليك بالطُّغاة الظالِمين ومَن شايعَهم، ومَن أعانَهم، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، ومزِّقهم كلَّ مُمزَّق، اللهم واجعَل تدميرَهم في تدبيرِهم يا رب العالمين.

اللهم عليك باليهود الصَّهايِنة الغاصِبين المُحتلِّين، اللهم عليك باليهود الصَّهايِنة الغاصِبين المُحتلِّين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم أنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا نَدرَأُ بك في نُحورِهم، ونعُوذُ بك من شُرورهم.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا مِن القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا مِن القانِطين.

اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا، واجعَل ما أنزلتَه قُوَّةً لنا على طاعتِك، وبلاغًا إلى حين.

اللهم غيثًا مُغيثًا، غدَقًا سحًّا مُجلِّلًا، تُحيِي به البلاد، وتَسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِرِ والبادِ.

اللهم إنا خلقٌ مِن خلقِك، ليس بِنَا غِنًى عن سُقيَاك، اللهم ولا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك.

﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85].

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].

سُبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

 

 

 

     د/ صالح بن عبد الله بن حميد                              25 ربيع ثان  1439ه

 

 

(责任编辑:Dr. Ahmed Abdullah)
顶一下
(0)
0%
踩一下
(0)
0%
------分隔线----------------------------
发表评论
请自觉遵守互联网相关的政策法规,严禁发布色情、暴力、反动的言论。
评价:
表情:
验证码:点击我更换图片
栏目列表
推荐内容
  • 相信伊斯兰的裁决及其基础

    伊斯兰法律及其坚固的基础; 阐明对伊斯兰及其基础的侵犯与日俱增; 穆斯林应该具有...

  • 谦逊的美德

    有关伊斯兰信仰的美德之一:谦逊;阐明谦逊的贵重和地位,以及它对整个穆斯林社会的影...

  • 坚守正道的媒介

    在纷争和灾难时期坚守正道的媒介和方式。...

  • 伊斯兰的高贵和易行

    伊斯兰的部分最重要、最卓越的优点,那就是这个伟大信仰的宽容和易行,这些都体现在许...

  • 伊斯兰的宽容和易行

    伊斯兰的部分最重要、最卓越的优点,那就是这个伟大信仰的宽容和易行,这些都体现在许...

  • 优良者的特点

    安拉的仆人——优良者(男女信士)的特点与属性; 经训中都提到了他们; 鼓励人们应...

一切赞颂全归至慈、博爱的真主,在万能、伟大真主的援助下,穆斯林华豪网站今天以全新的面目与大家见面了,这个网站旨在宣传民族文化、提高穆斯林民族的全民文化素质,让穆斯林与非穆斯林了解和认识真正的伊斯兰,还原伊斯兰的真面目,不参与个人的观点,它既不涉及教派,更不涉及政治。穆斯林华豪网站系列丛书在中文伊斯兰书籍中,对引证的所有经训,首次以中阿对照的形式出版,特别是所引证的圣训,提到其出处,以便加强可靠性,目的是抛砖引玉,共同学习进步。 如果在你的电脑中不显示网页中的古兰经文或圣训字体,请从“应时文选”中下载专用字体。

《转载本站内容,敬请注明出处》